البخاري

تصدير 5

صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )

إليه ، وفي مقدار ما تكامل فيهم من صفات العدالة والضبط ، فصار الرّواة عندهم طبقات بعضهم يبلغ أعلى درجة من صلاح الظاهر والباطن ، ومن الضبط والإتقان لما يرويه ، وبعضهم دون هؤلاء بقليل ، وهكذا إلى أن يكون بعضهم ممن لا تحلّ الرواية عنهم ؛ لكذب جرّبوه عليه ، أو لغفلة تمنعه أن يميز بين صحيح ما يسمع وفاسده . ولسنا - في هذا الموضع - بصدد أن نبين ما صنعوا في سبيل ذلك تفصيلا ، وما بذلوا من الجهد الجاهد في سلوك هذه الطريق الوعرة ، حتى استقام لهم الأمر وبلغوا منه - بصبرهم ، وبهمتهم العالية ، وبحثهم الدائب - ما لا تطمع في الوصول إلى مثله همم الدارسين والمحققين ممن عدا هؤلاء الأئمة رضى اللّه عنهم أجمعين . * * * [ الصحاح الستة ] ولما ظهر الكتابان الجليلان اللذان اشتهرا باسم الصحيحين ، وأحدهما الصحيح الذي جمعه أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاري ، وثانيهما الصحيح الذي جمعه الإمام مسلم بن الحجاج النيسابوريّ القشيري ، تلقّاهما أئمة هذا الشأن - بعد البحث الدقيق - بالقبول ، وأعلنوا - في ثقة وطمأنينة قلب - أنهما أصحّ الكتب التي صنّفها الناس في ملّة الإسلام ، وأنّه ليس فوقهما إلّا القرآن الكريم ، ذلك بأنّه الكتاب الذي لا تفنى عجائبه ، وبأنّه كتاب اللّه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، على هذا أجمع من يعتدّ به من أئمة المسلمين وعلمائهم ، وإن اختلفوا من وراء ذلك في أي هذين الكتابين أصح